أحمد مصطفى المراغي
131
تفسير المراغي
وبعد أن ذكر محاسن الأعمال التي بين العبد وربه - ذكر محاسن الأعمال التي بين العباد بعضهم مع بعض ترغيبا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الصبر على أذى المشركين ومقابلة إساءتهم بالإحسان فقال : ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ) أي ولا تتساوى الحسنة التي يرضى اللّه بها ويثيب عليها ، والسيئة التي يكرهها ويعاقب عليها . وقد يكون المعنى - ولا تستوى دعوة الرسول إلى الدين الحق بالطرق المثلى ، والصبر على سفاهة الكفار ، وترك الانتقام منهم - وما أظهروه من الغلظة والفظاظة في قولهم : « قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ » وقولهم : « لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ » . والخلاصة - إن فعلك أيها الرسول حسنة ، وإن فعلهم سيئة ، فإذا أتيت بهذه الحسنة استحققت التعظيم في الدنيا ، والمثوبة في الآخرة ، وهم بضد ذلك ، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على السيئة مانعا من الاشتغال بالحسنة . ثم ذكر بعض الحسنات ووضحها بذكر بعض ضروبها فقال : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أي ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق التي هي أحسن الطرق ، فقابل إساءتهم بالإحسان إليهم ، والذنب بالعفو ، والغضب بالصبر والإغضاء عن الهفوات ، واحتمال المكاره ، فإنك إن صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى ولم تقابل سفههم بالغضب ، ولا أذاهم بمثله ، استحيوا من ذميم أخلاقهم ، وتركوا قبيح أفعالهم . ثم بين نتائج الدفع بالحسنى فقال : ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) أي إنك إن فعلت ذلك انقلبوا من العداوة إلى المحبة ، ومن البغض إلى المودة ، قال عمر : ما عاقبت من عصى اللّه فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه ، وقال ابن عباس : أمره اللّه تعالى في هذه الآية بالصبر